العابرون يحتفلون بالموت والغياب ويمارسون الحياة علي استحياء
( هذا طريق لا تعرفه , ولا تجدي فيه أقوال من مروا )
( لا يمكن لأيّة قراءة أن تزعم لنفسها الإحاطة الشموليّة بكل خفايا النصّ الروائي؛ لأنها تشكّل جزءاً داخل الفضاء النقدي الخاضع للتبدّلات..النص يمارس الغواية. غواية يتفاوت فهمها وفك شيفرتها من متلقِّ لآخر فتتعدد القراءات حينها).وهذه قراءة في رواية العابرون للقاص د/ محمد إبراهيم طه والصادرة عن دار الهلال.
من هم العابرون
( روح وأغدو في الغيوب مسافرا / محط رحال السالكين براحتي / وريح رحالي تحمل الخير للدنا / أصيب بها من ترتضيه إصابتي )
يقول الإمام الغزالي(إني علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وإن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، ، فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به).
فالعابرون أو السالكون هم الصوفية وهم أهل الله الذين اعتزلوا الدنيا وزخرفها ومباهجها وساروا في طريق الله.
كلنا في الدنيا عابرون .. الدنيا محطات للعبور قد تطول وقد تقصر وكلنا في النهاية راحلون ومن هذه الرؤية احتفي الروائي بالموت ببذخ واستعرض خطوات الموت وطقوسه بشتي الطرق والوسائل وكل الطرق تؤدي إلي …. الموت. حتى أبطاله من لم يدركه الموت اعتزل الحياة كمتصوف ومن خلال الموت احتفي بالحياة علي استحياء في 1335 صورة لقطات عابرة تسجل لحظة الميلاد وبدء الحياة لأطفال ولدوا علي يديَّ البطل.
توظيف التراث و الموروث الحكائي
( توجه بعض الروائيين إلى توظيف التراث، بهدف تأصيل الرواية العربية في الموروث السردي، وتخليصها من أسر الرواية الغربية من جهة، وإعادة قراءة التراث من جديد في ضوء المستجدات الراهنة التي فرضت على الذات مراجعة الماضي من جهة أخرى. وبعضً الروائيين العرب لم يكتفِ بإبداع نصوص روائية لها أكثر من صلة مع التراث، بل تجاوز ذلك إلى كتابات نظرية مهمومة بالدعوة إلى الحفر في هذا التراث وإلى إعادة اكتشافه وإلى استثماره على نحو يؤصل لكتابة روائية عربية لها هوّيتها الخاصة.
وهكذا، اتجه الروائيون في توظيفهم للتراث اتجاهين، أولهما وظف التراث السردي، كالحكايات الشعبية، والسير الشعبية، والخرافة الشعبية وفن الخبر، وفن المقامة، وفن كتابة الرسائل… وثانيهما عبر عن الموقف من التراث من خلال إسقاط أحداث التاريخ على الحاضر، وقراءة الحاضر في ضوء الماضي ).ومحمد إبراهيم طه أبدع نصه الأدبي موظفا التراث ومطوعا له في إبداع نص مغاير ينتمي لبيئتنا وتراثنا وموروثنا فهو وظف:
1- الصوفية. 2- الحكاية الشعبية.
1-الصوفية كتوظيف للتراث
[( لقد طرحت الرواية الصوفية، بأيديولوجيتها الداعية إلى الانعتاق من أسر المادة والفناء في الذات الإلهية بديلاً لما أصاب الطبيعة الإنسانية من تشويه بسبب ارتباطها بالعرضي والزائل.
الصوفية مغامرة كتابية تفتح الرواية على مناطق وجدانية ثقافية جديدة وهي تجربة إنسانية تنشد تحرير الذات البشرية من أسر المادة والشهوات والانطلاق بها نحو عوالم الغيب والطهارة والسمو، أي كيف يمكن أن تكون العبادة، غاية في نفسها ولا يكون وراؤها هدفاً سوى المحبة والقرب، عند ذلك ستتغير مواقف العابدين إزاء النعم والبلاء الذي ينزل بهم، فيصبح العذاب والأذى، عند الصوفي، اختباراً له وتمحيصاً وتهيئة لتقريبه..مثلما حدث في عقاب الأب للطبيب الراوي عقب زناه بعائشة زوجة أخيه.
فالصوفي يناجي ربه (إلهي الكل يطلب منك، وأنا أطلبك)، والثالثة البديلة التي اختارها الإمام علي (ع) ومن بعده (رابعة العدوية)، بعد أن رفضوا عبادة التجار وعبادة العبيد، واختاروا عبادة الأحرار التي أساسها (المحبة) (إلهي، ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنتك، بل وجدتك أهلاً للعبادة، فعبدتك)
- الطريق الصوفي محطات يقطعها السالك ( أو العابر) ليصل إلى السعادة في الاتحاد أو الفناء ، وعلى السالك أو العابر أن يتجاوز كل ما يحول دون الارتقاء، بحسب الجهد والطاقة والعزيمة وبمقدار وجود هذه الصفات، تصنف مرتبة الإيمان، والتي انتهى (الغزالي) إلى جعلها ثلاث مراتب: أولاها: إيمان العوام وهو إيمان التقليد المحض.ثانيتها: إيمان المتكلمين وهو ممزوج بنوع استدلال.ثالثتها: إيمان العارفين وهو الشاهد بنور اليقين - وهي المرتبة التي كان يحاول الوصول إليها الطبيب البطل فهو كاد يصل لولا التفاته للشيخ سيد أستاذه فيسقط لكنه ينجح في الوصول بنهاية الرواية- و تتمثل حقيقة التصوف في جانب نفسي تركيبي يقع في أعماق النفس البشرية، ربما يصح أن تطلق عليه (استعداداً فطرياً أو غريزياً) هذا الاستعداد الفطري يحتاج أن يوقظ وقد تتم اليقظة عن طريق صدمة ما)].مثل صدمة موت والد الراوي وولادة ابن عائشة في ذات الوقت.وتحير البطل هل هو ابنه أم ابن أخيه.
وحفلت الرواية باقتباسات صوفية وأبيات رددها الأبطال.
2- الحكاية الشعبية ( توظيف ألف ليلة وليلة ):
( خرافة أو سرد قصصي تضرب جذورها في أوساط شعب وتعد من مأثوراته التقليدية. وخاصة في التراث الشفاهي. ويغطي المصطلح مدى واسع من المواد ابتداء من الأساطير السافرة إلى حكايات الجان. وتعد ألف ليلة وليلة مجموعة ذائعة الشهرة من هذه الحكايات الشعبية ). وقد وظفها الروائي كما وظف أيضا موروثنا الشفاهي من حكايات فتح الكنوز وتحويل التراب لذهب في حكايات عبد المجيد وإمام الفنجري في واقعية سحرية مدهشة .. واقعية لا تنتمي للغرب أو لغيره لكن واقعية وسحر الشرق ومورثوه وتراثه الشفاهي في أسلوب شيق جذاب يجذبك لتتابع هذه الحكايات الخرافية ولتعرف مصائر أبطالها وقد حفلت الرواية بحكايات عبد المجيد التي يقصها علي السامعين.. حتى موته كان مدهشا فهو المريض الذي يستدعوا له الطبيب خمس مرات ويذهبون به من خمس شوارع باتجاهات مختلفة وفي كل مرة يطلب منهم الطبيب عدم استدعائه مرة أخري فالمريض سليم وفي النهاية يموت عبد المجيد ونعلم بعدها أنها مؤامرة وسحر من إمام الفنجري فعبد المجيد يزاحمه ويسبقه لفتح الكنوز .(وذكر ماركيز أن أعماله بواقعيتها السحرية ليس فيها جملة واحدة لا تستند إلى الواقع. وقد اشترط النقاد أن يتخيل الكاتب أو يخترع كل ما يعن له، بشروط لابد أن تتحقق كى تؤدى إلى إبداع قصصى حقيقى، من ذلك التناول الشعرى للواقع، واستخدام لغة تتواءم مع هذا الواقع السحرى وتتناغم معه، والموهبة، والوهج الفنى، ومعرفة استخدام التقنيات الجديدة فى فن القص واستيعاب الأعمال الإبداعية البارزة ).وهو ما تحقق مع الروائي محمد إبراهيم طه.
واستعان أيضا بحكايات الجن في قصة اختفاء أروي أثناء فيضان النيل فهي تختفي من البلدة فجأة لتعيش كابنة أحد ملوك الجن وتعود فجأة لتتزوج راشد وتموت أثناء الولادة ليتم معها ارتقاء وصعود الراوي البطل ووصوله لقمة مراحل الصوفية وهي مرحلة العارفين( المشاهدة بنور اليقين).
البطل في القص الحديث ( الموت والحياة )
( القص الحديث أعطي البطولة لغير البشر مثل المكان والحيوان ولا يشارك البطل أحاسيسه في الوحدة والحزن والعدم . كذلك تغيب ملامح البطل مع جسامة الأحداث ويتواري البطل الذي يصارع الأخطار ومشاعر الإحباط أمام المسببات التي كان يصارعها.
كذلك يغيب البطل المدافع الذي يريد تغيير العالم أمام قوة وكثرة وتنوع قوي القهر والكبت.
فحينا يتقدم الحدث وما عداه تظل الشخصيات في الخلفية لكشف الضعف الإنساني وحينا تجسد مفردات الطبيعة بسكونها.. بضخامتها.. بحركتها..أيضا القصة الحديثة تقدم أكثر من بطل بأكثر من ضمير).
هنا كان بطل الرواية هو الموت و كانت الحياة الأبطال السنيدة أو الأبطال الذين يكثرون حولك لكنك لا تشعر بهم أمام تمجيد البطل واحتلاله المساحة الأعظم.
وجاءت الحياة من خلال إعادة بناء عمارة إندراوز في بنها - المدينة التي ليست بمدينة ولم تعد قرية- بعد سقوطها وهي العمارة التي صمدت خمسين عاما يمارس فيها د/ إندراوز عيادته للمرضي.
أيضا الحياة من خلال الطبيب الجديد الذي يسير علي نفس طريق أستاذه والذي ربما في النهاية سيعتزل الدنيا كمتصوف ويعيد سيرته.
أيضا جاءت الحياة من خلال لقطات لـ 1335 طفل تحتضنهم أمهاتهم عقب ولادتهم مباشرة ومجيئهم للحياة علي يد الطبيب الراوي. ولن تخدعنا هذه اللقطات العابرة التي احتفي فيها بالحياة فبقية الرواية لا يعنيه فيها سوي الموت وطقوسه.
كل نفس ذائقة الموت .. ومن لم يمت موتة ربه يمت بالغياب
1- الموت يبدأ بالشيخ سيد الصوفي أستاذ الطبيب الراوي الذي يجده فجأة قبل امتحان النساء والتوليد .. تتعطل سيارة الراوي ليجد أنه أمام بيت أستاذه ويذهب للامتحان ليفاجئ أنه جاء مبكرا عن موعده يوما كاملا.
يراه دائما حتي بعد وفاته في جلبابه الأبيض وبطنه المنتفخة فهو يعاني من كبد واستسقاء.
كان يستدعيه بشكل مفاجئ ويتركه بشكل مفاجئ أيضا وهو الذي اختاره لوراثته .. ليس عن أمره حتما فهو أمر سماوي.وهو يتجسد له في ملماته تارة يدفع عنه أذي الناس لحظة موت عزيزة .. وهو وكيل النيابة الثاني الذي يحقق معه بشكل إنساني بخلاف الأول جاره الذي عامله بطريقة مهينة وتارة أخري هو الطبيب الشرعي الذي طمأنه أن خطواته في خياطة جرح المتوفية سليمة وسينجو .
2- باهي الدرويش والذي تاه منه حصانه في الصحراء وجلس ليشرب القهوة مع أهل الله وأنشدوه سبعين ألف بيت من المدائح النبوية وحفظها وعاد ليجد امرأته تزوجت أخيه الأصغر وأولاده اقتسموا تركته .. فنجان قهوة استغرق شربه ثمان سنوات .
يلف في البلاد ينشد أبياته يتبعه ابنه وحصانه وثلاثتهم لا يهرمون.. عقب إنشاد الأبيات يسأل عن مكان يموت فيه بهدوء ويدلونه عليه. يجدونه قد مات وسط دهشتهم.
3- نهلة وعزيزة وأروي اللاتي نزفن حتي الموت أثناء ولادتهن نزيف حاد ومفاجئ( موت).
لا ننسي أن أروي اختفت عامين أثناء فيضان النيل وع
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ