
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
| ► | مايو 2009 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | ||||||
| 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 |
| 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 |
| 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 |
| 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 |
| 30 | 31 | |||||


العابرون يحتفلون بالموت والغياب ويمارسون الحياة علي استحياء
( هذا طريق لا تعرفه , ولا تجدي فيه أقوال من مروا )
( لا يمكن لأيّة قراءة أن تزعم لنفسها الإحاطة الشموليّة بكل خفايا النصّ الروائي؛ لأنها تشكّل جزءاً داخل الفضاء النقدي الخاضع للتبدّلات..النص يمارس الغواية. غواية يتفاوت فهمها وفك شيفرتها من متلقِّ لآخر فتتعدد القراءات حينها).وهذه قراءة في رواية العابرون للقاص د/ محمد إبراهيم طه والصادرة عن دار الهلال.
من هم العابرون
( روح وأغدو في الغيوب مسافرا / محط رحال السالكين براحتي / وريح رحالي تحمل الخير للدنا / أصيب بها من ترتضيه إصابتي )
يقول الإمام الغزالي(إني علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وإن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، ، فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به).
فالعابرون أو السالكون هم الصوفية وهم أهل الله الذين اعتزلوا الدنيا وزخرفها ومباهجها وساروا في طريق الله.
كلنا في الدنيا عابرون .. الدنيا محطات للعبور قد تطول وقد تقصر وكلنا في النهاية راحلون ومن هذه الرؤية احتفي الروائي بالموت ببذخ واستعرض خطوات الموت وطقوسه بشتي الطرق والوسائل وكل الطرق تؤدي إلي …. الموت. حتى أبطاله من لم يدركه الموت اعتزل الحياة كمتصوف ومن خلال الموت احتفي بالحياة علي استحياء في 1335 صورة لقطات عابرة تسجل لحظة الميلاد وبدء الحياة لأطفال ولدوا علي يديَّ البطل.
توظيف التراث و الموروث الحكائي
( توجه بعض الروائيين إلى توظيف التراث، بهدف تأصيل الرواية العربية في الموروث السردي، وتخليصها من أسر الرواية الغربية من جهة، وإعادة قراءة التراث من جديد في ضوء المستجدات الراهنة التي فرضت على الذات مراجعة الماضي من جهة أخرى. وبعضً الروائيين العرب لم يكتفِ بإبداع نصوص روائية لها أكثر من صلة مع التراث، بل تجاوز ذلك إلى كتابات نظرية مهمومة بالدعوة إلى الحفر في هذا التراث وإلى إعادة اكتشافه وإلى استثماره على نحو يؤصل لكتابة روائية عربية لها هوّيتها الخاصة.
وهكذا، اتجه الروائيون في توظيفهم للتراث اتجاهين، أولهما وظف التراث السردي، كالحكايات الشعبية، والسير الشعبية، والخرافة الشعبية وفن الخبر، وفن المقامة، وفن كتابة الرسائل… وثانيهما عبر عن الموقف من التراث من خلال إسقاط أحداث التاريخ على الحاضر، وقراءة الحاضر في ضوء الماضي ).ومحمد إبراهيم طه أبدع نصه الأدبي موظفا التراث ومطوعا له في إبداع نص مغاير ينتمي لبيئتنا وتراثنا وموروثنا فهو وظف:
1- الصوفية. 2- الحكاية الشعبية.
1-الصوفية كتوظيف للتراث
[( لقد طرحت الرواية الصوفية، بأيديولوجيتها الداعية إلى الانعتاق من أسر المادة والفناء في الذات الإلهية بديلاً لما أصاب الطبيعة الإنسانية من تشويه بسبب ارتباطها بالعرضي والزائل.
الصوفية مغامرة كتابية تفتح الرواية على مناطق وجدانية ثقافية جديدة وهي تجربة إنسانية تنشد تحرير الذات البشرية من أسر المادة والشهوات والانطلاق بها نحو عوالم الغيب والطهارة والسمو، أي كيف يمكن أن تكون العبادة، غاية في نفسها ولا يكون وراؤها هدفاً سوى المحبة والقرب، عند ذلك ستتغير مواقف العابدين إزاء النعم والبلاء الذي ينزل بهم، فيصبح العذاب والأذى، عند الصوفي، اختباراً له وتمحيصاً وتهيئة لتقريبه..مثلما حدث في عقاب الأب للطبيب الراوي عقب زناه بعائشة زوجة أخيه.
فالصوفي يناجي ربه (إلهي الكل يطلب منك، وأنا أطلبك)، والثالثة البديلة التي اختارها الإمام علي (ع) ومن بعده (رابعة العدوية)، بعد أن رفضوا عبادة التجار وعبادة العبيد، واختاروا عبادة الأحرار التي أساسها (المحبة) (إلهي، ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنتك، بل وجدتك أهلاً للعبادة، فعبدتك)
- الطريق الصوفي محطات يقطعها السالك ( أو العابر) ليصل إلى السعادة في الاتحاد أو الفناء ، وعلى السالك أو العابر أن يتجاوز كل ما يحول دون الارتقاء، بحسب الجهد والطاقة والعزيمة وبمقدار وجود هذه الصفات، تصنف مرتبة الإيمان، والتي انتهى (الغزالي) إلى جعلها ثلاث مراتب: أولاها: إيمان العوام وهو إيمان التقليد المحض.ثانيتها: إيمان المتكلمين وهو ممزوج بنوع استدلال.ثالثتها: إيمان العارفين وهو الشاهد بنور اليقين - وهي المرتبة التي كان يحاول الوصول إليها الطبيب البطل فهو كاد يصل لولا التفاته للشيخ سيد أستاذه فيسقط لكنه ينجح في الوصول بنهاية الرواية- و تتمثل حقيقة التصوف في جانب نفسي تركيبي يقع في أعماق النفس البشرية، ربما يصح أن تطلق عليه (استعداداً فطرياً أو غريزياً) هذا الاستعداد الفطري يحتاج أن يوقظ وقد تتم اليقظة عن طريق صدمة ما)].مثل صدمة موت والد الراوي وولادة ابن عائشة في ذات الوقت.وتحير البطل هل هو ابنه أم ابن أخيه.
وحفلت الرواية باقتباسات صوفية وأبيات رددها الأبطال.
2- الحكاية الشعبية ( توظيف ألف ليلة وليلة ):
( خرافة أو سرد قصصي تضرب جذورها في أوساط شعب وتعد من مأثوراته التقليدية. وخاصة في التراث الشفاهي. ويغطي المصطلح مدى واسع من المواد ابتداء من الأساطير السافرة إلى حكايات الجان. وتعد ألف ليلة وليلة مجموعة ذائعة الشهرة من هذه الحكايات الشعبية ). وقد وظفها الروائي كما وظف أيضا موروثنا الشفاهي من حكايات فتح الكنوز وتحويل التراب لذهب في حكايات عبد المجيد وإمام الفنجري في واقعية سحرية مدهشة .. واقعية لا تنتمي للغرب أو لغيره لكن واقعية وسحر الشرق ومورثوه وتراثه الشفاهي في أسلوب شيق جذاب يجذبك لتتابع هذه الحكايات الخرافية ولتعرف مصائر أبطالها وقد حفلت الرواية بحكايات عبد المجيد التي يقصها علي السامعين.. حتى موته كان مدهشا فهو المريض الذي يستدعوا له الطبيب خمس مرات ويذهبون به من خمس شوارع باتجاهات مختلفة وفي كل مرة يطلب منهم الطبيب عدم استدعائه مرة أخري فالمريض سليم وفي النهاية يموت عبد المجيد ونعلم بعدها أنها مؤامرة وسحر من إمام الفنجري فعبد المجيد يزاحمه ويسبقه لفتح الكنوز .(وذكر ماركيز أن أعماله بواقعيتها السحرية ليس فيها جملة واحدة لا تستند إلى الواقع. وقد اشترط النقاد أن يتخيل الكاتب أو يخترع كل ما يعن له، بشروط لابد أن تتحقق كى تؤدى إلى إبداع قصصى حقيقى، من ذلك التناول الشعرى للواقع، واستخدام لغة تتواءم مع هذا الواقع السحرى وتتناغم معه، والموهبة، والوهج الفنى، ومعرفة استخدام التقنيات الجديدة فى فن القص واستيعاب الأعمال الإبداعية البارزة ).وهو ما تحقق مع الروائي محمد إبراهيم طه.
واستعان أيضا بحكايات الجن في قصة اختفاء أروي أثناء فيضان النيل فهي تختفي من البلدة فجأة لتعيش كابنة أحد ملوك الجن وتعود فجأة لتتزوج راشد وتموت أثناء الولادة ليتم معها ارتقاء وصعود الراوي البطل ووصوله لقمة مراحل الصوفية وهي مرحلة العارفين( المشاهدة بنور اليقين).
البطل في القص الحديث ( الموت والحياة )
( القص الحديث أعطي البطولة لغير البشر مثل المكان والحيوان ولا يشارك البطل أحاسيسه في الوحدة والحزن والعدم . كذلك تغيب ملامح البطل مع جسامة الأحداث ويتواري البطل الذي يصارع الأخطار ومشاعر الإحباط أمام المسببات التي كان يصارعها.
كذلك يغيب البطل المدافع الذي يريد تغيير العالم أمام قوة وكثرة وتنوع قوي القهر والكبت.
فحينا يتقدم الحدث وما عداه تظل الشخصيات في الخلفية لكشف الضعف الإنساني وحينا تجسد مفردات الطبيعة بسكونها.. بضخامتها.. بحركتها..أيضا القصة الحديثة تقدم أكثر من بطل بأكثر من ضمير).
هنا كان بطل الرواية هو الموت و كانت الحياة الأبطال السنيدة أو الأبطال الذين يكثرون حولك لكنك لا تشعر بهم أمام تمجيد البطل واحتلاله المساحة الأعظم.
وجاءت الحياة من خلال إعادة بناء عمارة إندراوز في بنها - المدينة التي ليست بمدينة ولم تعد قرية- بعد سقوطها وهي العمارة التي صمدت خمسين عاما يمارس فيها د/ إندراوز عيادته للمرضي.
أيضا الحياة من خلال الطبيب الجديد الذي يسير علي نفس طريق أستاذه والذي ربما في النهاية سيعتزل الدنيا كمتصوف ويعيد سيرته.
أيضا جاءت الحياة من خلال لقطات لـ 1335 طفل تحتضنهم أمهاتهم عقب ولادتهم مباشرة ومجيئهم للحياة علي يد الطبيب الراوي. ولن تخدعنا هذه اللقطات العابرة التي احتفي فيها بالحياة فبقية الرواية لا يعنيه فيها سوي الموت وطقوسه.
كل نفس ذائقة الموت .. ومن لم يمت موتة ربه يمت بالغياب
1- الموت يبدأ بالشيخ سيد الصوفي أستاذ الطبيب الراوي الذي يجده فجأة قبل امتحان النساء والتوليد .. تتعطل سيارة الراوي ليجد أنه أمام بيت أستاذه ويذهب للامتحان ليفاجئ أنه جاء مبكرا عن موعده يوما كاملا.
يراه دائما حتي بعد وفاته في جلبابه الأبيض وبطنه المنتفخة فهو يعاني من كبد واستسقاء.
كان يستدعيه بشكل مفاجئ ويتركه بشكل مفاجئ أيضا وهو الذي اختاره لوراثته .. ليس عن أمره حتما فهو أمر سماوي.وهو يتجسد له في ملماته تارة يدفع عنه أذي الناس لحظة موت عزيزة .. وهو وكيل النيابة الثاني الذي يحقق معه بشكل إنساني بخلاف الأول جاره الذي عامله بطريقة مهينة وتارة أخري هو الطبيب الشرعي الذي طمأنه أن خطواته في خياطة جرح المتوفية سليمة وسينجو .
2- باهي الدرويش والذي تاه منه حصانه في الصحراء وجلس ليشرب القهوة مع أهل الله وأنشدوه سبعين ألف بيت من المدائح النبوية وحفظها وعاد ليجد امرأته تزوجت أخيه الأصغر وأولاده اقتسموا تركته .. فنجان قهوة استغرق شربه ثمان سنوات .
يلف في البلاد ينشد أبياته يتبعه ابنه وحصانه وثلاثتهم لا يهرمون.. عقب إنشاد الأبيات يسأل عن مكان يموت فيه بهدوء ويدلونه عليه. يجدونه قد مات وسط دهشتهم.
3- نهلة وعزيزة وأروي اللاتي نزفن حتي الموت أثناء ولادتهن نزيف حاد ومفاجئ( موت).
لا ننسي أن أروي اختفت عامين أثناء فيضان النيل وع
أخرج أدواته .. وضعها .. هذا المشرط .. ذاك المقص .. تلك إبرة الجراحة بدأ العمل قطع فطعاً طولياً ، وقفت عن يساره
أخذت أجفف الدماء .. كلمات إبتلت قطعة قطن .. أضع أخرى
نظرت لى بعينيها الكسولة .. المتراخية .
أبعد حافتى القطع .. وسعه .. الورم المائى أمامه .. فى حجم البطيخة الصغيرة
بدأ يجذب الجلد بعيداً عن الورم .. يفصله .. يتراخى الجلد ..
تتسع مساحته وتتسع
القطنة المبللة باليود امتلأت بالدماء للمرة الرابعة .
لسانها اللزج يتحرك يميناً ويساراً .
دار حول الورم بعينيه .. بدأ يعالجه بالمشرط .. يده تتحرك فى مهارة .. تستأصل تلك الكرة .
دماء غزيرة تتدفق .
وضع جفتاً حول الوريد النازف .. أعقبه بآخر للوريد المجاور
أرجعت رأسها للوراء .. عيناها ترتعشان .. تسبلهما فى استسلام
سالنى بالأنجليزية عدة أسئلة .. مازلت أومئ برأسى
أهزها فى صمت وأنا أمسك بجفت فى كل يد
أخذتنى رعدة . العرق يغطى جبينى .. دماؤها تغطى يدى ووجهى .. غثيان انتابنى .
نملة صغيرة خرجت من فم أبى ، تسير على رأسى .. ذراعىَّ ..ساقىَّ
تكبر ، تنمو ، حجمها يزداد .. ويزداد ، تحيطنى ، تعتصرنى بأقدامها .. بأذرعتها .
الورم فى يده يقبض عليه .
سقط ، تدحرج على الأرض ، انفجر ، تناثر السائل اللزج على الأرض الطينية .
أجفلت ، تحاول رفع رأسها ، أدركها دوار ، ألقتها مرة أخرى .
الآن .. انتهينا من الجراحة ، لم يبق سوى "السوتشر" .
تلعثمت .. لم أحر جواباً
-الخياطة .. قطعاً تعرفين كيف تخيطين الجرح ؟
غواية النيل
نداء
……………..يحتويها بين ذراعيه بينما تستلقي رأسها علي كتفه .. تنسدل خيوطها الليلية علي صدره .. يجذب الجسد المتهدل دون مقاومة تذكر .. يمطرها بدموعه وهو يحملها علي ذراعيه ويضمها لصدره بقوة.
(( احتوها برفق بين أمواجك .. ليس سواك يا نيل من يطهرنا .. اغسلها ( بمائك الثلج والبرد ) وأعدها لي نقية بريئة – كما كانت – حاذر لا تدعها تغيب عن عينيك فهي صغيرة وساذجة )).
تغيب عن ناظريه رويدا رويدا مخلفة وراءها فقاعات هواء تجاورها بقع دماء .. تتدحرج السكين حتى تلحق بها .
تخذله قدماه .. علي ضفة النيل يتمدد تغرقه دموعه وبضع بقع دماء .
بعدها ينهض لغسيل خيوط الدم المتخثر من جلبابه.. نداء غامض و شيء ما يجذبه نحو القاع للحاق بها.
زنقة
……….. أمعائه تكاد تتمزق .. قطط تموء وتتشاجر داخل أحشائه وهي تحكي :
- أنا نفسي في ……… .
- …………………… .(( متي تنتهي من حديثك ؟ أحبك والله .. أحبك .. فقط لو تصمتين وتشعرين بي ؟ لمتى أقاوم ؟ )) نظر خلفه . فجأة قال:
- ما هذا ؟! جري وراء كائن وهمي وهي تتابعه بنظراتها الفزعة المتسائلة .
ما أن وصل إلي ضفة النيل – في ركن متوار ٍ مظلم –علي حافة مائه أطلق لأمعائه العنان.
صهيل
…………………. (( كنا معا .. نعمل معا .. نخرج معا .. نبيت معا .. أهتم بطعامك قبل طعامي .. كيف أعود للبيت بدونك ؟ ماذا أقول للأولاد حين يسألونني عنك؟))
انتهي من دموعه وتساؤلاته وهي مازالت بجواره ممددة .. لم تبرح المكان .. تحير……(( كنت تغتسلين في حضوره .. كان هو ….. ليس سواه من آمن عليك معه .. اذهبي إليه وأرقدي في سلام ))
بصعوبة جذبها للقارب .. أربعة أحجار ربطها في أطرافها .. جدف حتى منتصف النيل .. ألقاها وصهيلها الصامت يردد الجبل صداه.
غواية
كانت تنظر للنيل نظرات طويلة غامضة.. بداية الغروب أعطت صفحة النيل سحرا حزينا.
فجأة خلعت طرحتها بعدها عباءتها.. ألقت نفسها في النيل . كانت تعوم كسم
.
.
قراءة فى رواية أنت وحدك السماء للدكتورة هيام عبدالهادى صالح
العربى عبدالوهاب
يسعى الإنسان دوما للانعتاق من أثر المكان ، بحثاً عن الحرية والهواء النقى ، ربما يدفع ـ عمره ـ ضريبة مبتغاه ،
فهل انكسار الإنسان فى رواية [ أنت وحدك السماء ] هو الدافع ، والمحرك وصاحب التأثير الفعَّال فى تنامى الذاكرة وتفعليها كسارد، يقدم درجات الوعى الرؤى والأحلام ، رغبة فى فى السمو عن سخافات البيئة .. إن اختناق الأنفاس وارتباك الحركة / الفعل .. لدى معظم شخصيات الرواية مرده اعتصار البيئة / المكان لأنفاسهم ..
ذلك السعى الحميم نحو توسيع الحيزالمكانى الخانق ؛ كى تمرق الشخوص (ليست النسوية فحسب) تعكس آليات الاضطهاد التى تتنفسها تلك الشخوص ، وتاريخ الروايات التى تناولت بيئة الصعيد اعتنت بذلك وحفلت به ؛ مثل خالتى صفية والدير ، لبهاء طاهر ، واللسان المر ، لعبدالوهاب الأسوانى ، والطوق والأسورة ليحى الطاهر عبدالله .. وغيرها من الروايات
ذلك الملح الذى يشكل تركيب بنية الوعى فى صعيد مصر انتقلت أيضا إلى السبنما فصارت ملمحا هاما وحيويا ينم عن تجهم المكان وسعير مناخه وشخصياته ..
فهل انتقلت تلك الملامح لجيل إلى جيل الكتاب الجدد وأقصد تحديدا جيل التسعينات .. نعم نراه عند أحمد أبوخنيجر و …….
هذا بالطبع لابد أن يردنا الى طرح إطلالة سريعة عن ذلك الجيل التسعينى والذى تنتمى إليه الكاتبة .. كى نتمكن من الولوج إلى المنطقة التى تشكلت منها الرواية على المستويين التشكيلى / الجمالى ورؤيتها للفضاء الروائى ومن ثم رؤيتها للعالم .
بداية جيل التسعينات ( وهيام عبدالهادى واحدة من كاتباته ) يبحث دوما عن ملامحه الخاصة ، يستعيد روح ودفء العالم بتفاصيله الحميمة ، يلجأ كثيرا ليضئ تجربة الحس الذاتى ، حتى تبدو عند البعض متماسة تماما مع أد السيرة الذاتية ، وتجلى الذات ،والاعتناء بها ، بل رؤية العالم من خلالها ، أظن أن ذلك الملح تحديدا هوالفارق فى هذه الكتابة الجديدة؛ بالطبع ثمة ملامح جمالية يجب التوقف عندها ؛ وقد حضرت وتشكلت ـ فى روايات كثيرة ، صدرت فى الآونة الأخيرة ـ كبدائل للنمط السردى السالف ، وهذا يحتاج الى قراءات وقراءات وفريق عمل من النقاد لقراءة وتحليل هذه التجربة التى ضمت بداخلها كتاب وأسماء جديدة ؛ ربما لا ينتمون الى ذلك الجيل ، ولكن نشعر برغبته الجادة فى تجاوز المألوف والنمطى ـ على الرغم من جودته ـ بطرح رؤى جديدة للعالم من خلال الاعتناء بالذات وتشظيها وتعلقها فى الهواء كريشة بلا وزن حقيقى ترصد وتستفرأ انعكاس التحولات الحادة ، وفى ظل تراجع القيم ، والمثل ؛ أمام علو الهشاشة والفساد وثقافة الفضائيات ، وثقافة ( التيك آوى ) ثمة ثقافة جديدة واردة تفتك بالانسان وبالبسطاء ، وبالوعى ؛ تحولات عنيفة من شأنها تولد رؤى وكتابات وروائيين وروائيات وشعراء ومسرحيين ….. الخ ، ينفضون الغبار عن الجيد والأصيل فى تركيب وبينة وعى إنسان الألفية الثالثة وذلك بالتصدى الفنى الحداثى التأكيد للتحولات الزمكانية ؛ وتذبذب الوعى بين سطوة والثقافة الواردة بكل تأثيراتها المدمرة لبنية وخصوصية وثقافة ووعى الشعوب ، وذلك بهدف تذويبها ـ أى الثقافة الخاصة ـ فى خليط جديد بلا ملامح ؛ والذى من شأنه خلق أجيال هشة يسهل غزوها وسقوطها ، وتقلها للمستعمر الوافد
ربما يسمون ذلك بمسميات جديدة ورشيقة ( كتفاعل الثقافات ، و صراع الحضارات …. الخ )، كل هذا يحتاج إلى قراءة أخرى ، وموضع آخر ، وإن وجب التعريج عليه ؛ بسبب تعرض رواية ( أنت وحدك السماء ) لبعض منه ، بالإضافة لأن كل ما سبق ؛ يمثل الملاح الهامة والأرضية التى تنطلق منها كتابة ذلك الجيل ، كما ذكرنا .
[ 1 ]
* بيئة الصعيد تشكلاتها / صلف المكان فى مجتمع ذكورى
(( فى ساعات صدقه معى ،
قال إنه حين غلقت الأبواب وصرنا وحيدين
راودته فاكهتى وأراد تذوقها
لولا مانعته حصون
أنت وحدك السماء
إهداء
إليه
( كل من أحببت [ كانوا ] نجوما.
تضئ للحظة و تنطفئ إلي الأبد.
وأنت وحدك السماء ).*
وحدك تقبع بالذاكرة.
إليهم
قالوا "( لا تصغين لقلبك)"**
وقد أصغيت.
وها أنتم نجحتم في خداعي بكذباتكم الصغيرة والكبيرة.
وأنا … نجحت في إلقاءكم في سلة محذوفاتي… خارج الذاكرة.
هيام
أسوان في 16/ 2 / 2005
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* للشاعر محمد الماغوط ( بتصرف ).
** من شكاوى الفلاح الفصيح.
تصدير*
الطيورُ التي أقعدتْها مخالَطةُ الناس,
مرتْ طمأنينةُ العَيشِ فَوقَ مناسِرِها..
فانتخَتْ,
وبأعينِها.. فارتخَتْ,
وارتضتْ أن تُقأقَىَء حولَ الطَّعامِ المتاحْ
ما الذي يتبقى لهَا.. غيرُ سَكينةِ الذبح,
غيرُ انتظارِ النهاية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* للشاعر الراحل / أمل دنقل.
تصدير للرواية*
يا وطن
( العطر عطرك والمكان هو المكان
لكنني
ما عدت أشعر في ربوعك بالأمان
شيء تكسر بيننا
لا أنت أنت .. ولا الزمان هو الزمان )*
منصور
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* للشاعر فاروق جويدة
( 1 )
فجأة كان الكتكوت المنفوش علي ظهر الموج الذي قذفه في فم البحر وأخفاه دون أن يجد الوقت للصياح والقفز.
كان الرجل علي كرسيه منكمشا وهو أمامه يسأله :
-لماذا لم تبلغنا ؟
- آآآآآآ …………………….
- وما حدث الشهر الماضي ؟
-آآآآآآآآآآآآ …………………..
- تكلم وواقعة البنت إياها ؟
- آآآآآآآآآآآآآآآآآآ ………………
كنت أجلس علي كرسي مقابل للمكتب المجاور .. صافحني آخر وسيم وطلب لي كوبا من الكركديه المثلج .. لعنت زوج عمتي في سري .. هو من دفع بي لهذا المبني .
وددت لو يأخذ مصافحته وكوبه ويتركني أرحل .
(( كانت جثة لامرأة طافية في النيل - كانت في ذاكرتي دائما وإن كنت لم أتعرف عليها – وجهها منتفخ وبطنها منتفخة وخصلات شعرها متآكلة تعلق بنبات ورد النيل . طرحتها تتماوج مع حركة الموج يدفعها ويروح يصفعها ويعاود صفعها مرات ومرات . جلبابها الأسود المبلل يكشف عن ردائها الداخلي بلونيه الأحمر والأبيض وطائر ضخم يقبع علي الصدر.. البلل كشف عن تفاصيل الجسد المنتفخ الذي انتهكت حرمته وبانت تفاصيله ))
أفقت علي سؤاله " هه .. فين بقية العرايس يا منصور ؟"
- اختفوا يا باشا.
صفعة عاجلتني قبل إتمام جملتي .اختفت الابتسامة من وجهه وبدأ يكشر عن أنيابه .
كانت الرائحة النتنة للجثة تملأ أنفي.. منذ صحوت فزعا في أول ليالي الحجز لم تفارقني الرائحة ولثلاث ليال لا تريد مفارقتي حتى والصفعات تتوالي.
استفسرت منه عن موعد رحيلي دلق الكوب المثلج في وجهي انتفضت.
- هو دخول الحمام زى خروجه يا روح أمك..علقوه لغاية ما يقول بقية العرايس فين .
(( كانوا ثلاثة تماثيل لأميرات فرعونيات .. عرائس من ذهب.. رنين الذهب أطرب قلبي حين اصطدمت فأسي بهن مصادفة .. لم أصدق عيني .. نتشت إحداهن كنت أتفحصها بذهول .. حين عدت ببصري مددت يدي اختفتا الباقيتان))
(( اقترب الكتكوت بريشه المنفوش من الموج .. كان الموج يضرب الرمل وقدميه وهو يتقافز وينفض جناحيه بشدة .. يصيح ويلتفت لكتكوت آخر عاري الرقبة يسير بمحاذاته لكن بعيدا عن الماء .. يصفق له الآخر بجناحيه حينا .. يصفر حينا آخر .
كان الموج تشتد قسوته والكتكوت يزداد تقافزه ورفرفة جناحيه وصياحه بينما الآخر يزداد تباعدا عنه وعن الموج .لازال يصفق بجناحيه بين الحين والحين .
فجأة كان الكتكوت المنفوش علي ظهر الموج الذي قذفه في فم البحر وأخفاه دون أن يجد الوقت للصياح والقفز.
الثاني وقف يرقب رفيقه والموج يبتلعه .. أخذ يصيح في خفوت ثم أخذ في العدو بعيدا عن الموج والرمل والشاطئ بأكمله )).
( 2 )
الزمن ليس زمن الشعراء .. حين يتكلم المال ينصت الشعر.
علي حصيرة مهترئة باهتة تسكنها الورود .. بعض الورود داكنة والأخرى فاتحة اللون . أسدد إليها نظراتي .. تتفتح الوردات عن طفلات يرقصن في فساتين واسعة قصيرة وشعورهن تنعقد بفيونكات في ذيول أحصنة وأطفال يرقصون بوجوه مبتسمة وخصلات ناعمة تبدو من تحت الطواقي الجميلة . يتوقف رقص الورود الأطفال والطفلات فجأة حين يلمحون وردة ضخمة تنشق عن سلطان الحواديت بوجهه الجهم وكرشه الضخم وخلفه حاشيته يأتي يبتلع كل الحلوي .. كل الضحكات .. كل نغمات الموسيقي.
تنغلق بعض الورود وتتواري بعيدا .. بينما يقف بعضهم في صف واحد ووجههم للجدار .
فركت عيني ..أخذت أبحث بين المحتجزين عن زوج عمتي " صادق " لعنة الله عليه باع العروس الذهب بملايين وأعطي لي ملاليم وينتظر بقيتهم. وشايته بي للكبير دفعت بي وبه لهذا المكان ويظنه صديقه .
قطع تأملاتي بمد يده .
- مش فاكرني يا منصور؟ ضحكت .
- إزيك يا شاعر. كان شاعر المدرسة. كان في قصائده يهجو ويبكي حبيبته التي تركته وزوجوها لمن يم
قالت " اشرب العصير يا غريب"
كانت الحجرة نصف مظلمة عدا شموع حمراء . علي يسارها يقف مجلد طوليا تاركا يمين الحجرة مظلما .
كان الضوء الساقط من الشموع يسمح لها برؤيتي وكان يحجبها عني الظلام .
ناورت لأجذبها ناحية الضوء .. جفلت كالخفاش عند رؤيته للنور وتوهج وجهها لوهلة دون أن يشف عن ملامح محددة .
هل كانت الشموع الحمراء مبعث الوهج أم المفاجأة أم …..؟
كانت شفتاها صغيرتين و…… رائحة أزهار ذقن الباشا عند قدوم الربيع مست أنفي .
حين يفيض النهر يري آثاره علي الزهور وتمنيت أن أري آثاري في عينيها . هل كانتا تلمعان ؟ وبريقهما……؟ هل كانتا باردتين ؟ تراها كانت في الظلام تتاملني ؟ رواغت بذكاء وأعادتني للجزء المضئ واستدارت للجانب الآخر من الحجرة.
لم تسألني عن اسمي وبلدي .. كانت تعرف فقط أنني غريب.
قالت " اشرب العصير يا غريب"
كانت ناعمة وحانية ولدنة في منامتها الحريرية وكان جسدها بلا ظل .
كان نصف ظلي يرقد علي الأرض طويلا .. نحيفا .. يرتعش .
ونصف ظلي الآخر علي الجدار يلامس السقف .
جذبني رؤية ظلي علي الجدار .. كان يطول ويقصر .. ينحني وينفرد.. يتحرك يمينا ويسارا لكنه لم يكف عن الارتعاش .
قالت " اشرب العصير يا غريب"
أعطتني كوبا ورشفت هي من ـ الآخر ـ رشفتين . تركتني لتجلس علي حافة الفراش .
قلت رشفة واحدة وكفي .. كان عصيرا لفاكهة من فواكه الجنة – لم أزقه قبلا – ورغاوي تملأ ثلث الكوب حتي حافته .. احتسيت نصفه.
ظلال أخري جاءت تصارع ظلي علي الجدار .. كان أحدهم لزميلي المصري .. كانت له تمتد يدي وظله فوق كرسيه علي المقهي الذي يجمعنا يتضخم .. تتمدد أذرعه الأخطبوطية بينما تمتد أحد كفوفه وتناولني رقم هاتف .
قالت" اتصل تسدد ديونك وأنت نائم "
" كيف ؟ " " ……………………………………… ".
كانت حجرات القصر تعدو والباب الخلفي للقصر حيث ولجت مغلق . كان أحدهم يرشدني لطريقي بشمعة..
تداعيات الايحاء واللاوعى والأسطورة
فى مجموعة " وللجبل أغانٍ أخرى "
للأديبة هيام عبدالهادى صالح
بقلم حاتم عبدالهادى السيد
هل كانت د./ هيام عبد الهادى فى متتاليتها القصصية " وللجبل أغانٍ أخرى " هى نفرتيتى التى تحلم مع عروس النيل بشروق غدٍ أفضل ، غدٍ تنعم فيه بالأمن والحرية بدلاً من أن تُقْذف إلى قاع النهر ؟ أم كانت ترفل مع شمس ومنصور فى رحلتهما من أجل البحث عن أمل للخلاص من الخوف والجوع وانهيار القيم فى منحنيات الجبل المليئة بالحكايات والأساطير ؟!
إنها رحلة مثيرة ومدهشة لكنها ممزوجة بالحزن والخيانة والبراءة والسقوط والأمل ، وكل ذلك نراه مغلفاً حول تعاريج القرية الجبلية الأسطورية ، حيث أحزان منصور العائد من منطقة الخليج العربىليجد محبوبته فى أحضان
آخر ، وحيث والد منصور الذى فتن بفتاة الماء فظل مشدوه العقل ، وحيث حكايات الجدة القديمة ، وأحزان العم الذى تخاتله زوجته بعد أن أصابه الجبل بكسور فى ظهره وعظامه .
إنها أحزان القرية التى تأخذنا إليها / هيام عبد الهادى ، وربما هذه الأحزان تنقلها لنا بايحائية جزئية تخص
القرية ، وإن كانت تخص المدينة كذلك بل وتسخب على أحزان كل الحطابين فى الجبال ، والمقهورين فى
القرى ، وحيث صعيد مصر الجنوبى والذى تسير فيه أحداث هذه المتتالية القصصية .
هذا ولقد قسمت د./ هيام كتابها إلى قسمين : الجزء الأول ويقع فى حوالى ( 67 صفحة ) حيث أطلقت عليه اسم
" وللجبل أغان أخرى ) – متتالية قصصية - وإن كنت أرى أنها رواية قصيرة كما سيجئ ، ومع ذلك وجدنا تقسيم الجزء الأول إلى أقسام وعناوين فرعية : " وفى عينيها يجف النهر – يرمح كالخيل يدور كالنحل .. يسقط كالجميز - الظل الرابع ( تحت الطلب ) - الظل الخامس ( تحت ظلال السيسبان - الظل السادس ( أيجديتى تبدأ بحرف الحاء ) - الظل السابع ( وربما يعود ) - الظل الثامن ( الصعاليك لا يعبرون النهر ) - الظل التاسع والأخير ( النيل يجرى ..
هل وصل ؟ ) .
بينما جاء الجزء الثانى تحت عنوان : قصص قصيرة لأقاصيص ، ولقد قسمتها إلى سبعة قصص : وسكتت عن الكلام المباح - أقلام بألوان الطيف ( أقاصيص ) تلكم الهلاميات اللاتى يعشقننى ( قصة ) - ايزيس تتلقى الجزاء
( قصة ) - الورود المعلقة كالثعالب ( أقاصيص ) - عالم الحيوان ( أقاصيص ) - مصافحة ( أقاصيص ) .
ولقد وقعت هذه القصص فى حوالى 32 صفحة كذلك .
والمقارية الأولى التى يمكن أن يلحظها القارئ لدى قراءته هذه المجموعة ذلك التصوير الجميل والذى استقته من برديات " شستر بيتى " - بتصرف - حيث تقول : " الكاتب ينعم عليه الإله بحاسة جديدة مقدسة تضاف إلى حواسه الخمس .. حاسة تميزه عن الآخرين : يرى ما لا يرون ، يسمع مالا يسمعون ويشعر بأحاسيس أخرى ، يرى ويسمع ويشعر بعقله وقلبه ما وراء الطبيعة . ثم تضيف : لذلك أشعر دائماً أننى فتاة مختلفة ، وحقيقة فإن د./ هيام عبد الهادى صالح فى هذه المجموعة قد أشعرتنى - كناقد - بأن ما تكتبه كان مختلفاً عن كل ما قرأته فى مجال القص لبنات جيلها ، وربما لكاتبات القصة القصيرة لعقود سابقة عليها وذلك لعدة أسباب منها :
أولاً : أنها قد اهتمت بالشكل المتسق مع المضمون ، وبمعنى
ثانياً : إن لغة القصة وإن جنحت نحو المحلية إلا أنها أعطت لها مدلولات رمزية وإشارية جعلتها تتسق ولغة القص المتعارف عليها ، بل ولقد ضمنت ذلك بتكثيف جملها برمزية مغلفة بعبق أثير ، فلا تشعر بالملل بل يسير القارئ معها فى تلهف إلى نهاية القصة ، فما شبع ، ثم تحاول أن تلاحق أنفاسه فى القصة التالية ، وتربط أحداثها مع أحداث أخرى فارقة عنها ، فلا تشعر بغرائبية ، وإن شعرت بدهشة الاكتشاف ، وكل ذلك تفعله بجمل ايحائية ، تخاطب العقل بداية ، ثم تخرج به إلى اللاوعى ، ثم تمزج ذلك بالأسطورة وبالحكاية على لسان الشخوص الذين تبادل أدوارهم ، فتخرج فى النهاية بعالم غريب قد عرفت عنه الكثير ، بينما ندرك فى نهاية المطاف بأننا لا نعلم عن هذا العالم إلا القليل ، فنعاود القراءة من جديد لنكتشف مجاهل هذا العالم الغريب .
ثالثاً : لابد أن أعترف بأن هذه الكاتبة قد أرهقتنى عند قراءة هذه المجموعة ، ثم ما لبثت أن أعدت القراءة مرات عديدة ، وفى كل مرة أكتشف بعداً انسانياً وفلسفياً وجمالياً تحاول أن تبثه الكاتبة عبر سردها ، وهذا ما حدا بى أن أصفها بأنها فارقة ، بل ومتميزة عن سائر المجموعات القصصية التى نقرأها ، والتى لا تثير فينا كل هذه الحيل اللغوية البارعة ، بل وهذا العالم الفلسفى المحلى المدهش والمثير .
أما المقاربة الثانية فإن المجموعة تمتلئ بالجمل الموحية والدالة ، والتى تحيلك لعالم الصحراء بمفرداتها حيث الجبل وأغانيه وقصصه وأشجانه ، وحكاياته مع الليل والناس ، فتصور الجبل بالكائن الحى ، وإن كان صامتاً لايبح ، إلا أنه يخفى تحت ظلاله عالماً عجيباً حيث الأسر التى تعيش على أجنحة الفقر والحرمان ولا أمل لهم إلا حكايات الجدة والحلم ، ومع كل ذلك تنكسر أحلامهم وآمالهم ، فشمس تكسرت أحلامها وتزوجت من غير حبيبها ، ومنصور عاد من الخليج كما ذهب ، والجدة مازالت تقص حكاياتها للصغار ، والعم مازال مشغولاً بأقاويل أهل القرية عن زوجته التى تخونه ، لذا نراه يجلس ليشعل الموقد ويسب تلك الزوجة ، بل ويطلب من ابن أخيه مغادرة القرية حتى لا يلقى نفس مصيره ، مشلولاً عاجزاً : " سنتين والرقدة هى الرقدة .. سافر يا ولدى .. الجبل مش ناوى يترك سكانه ويبوح بسره وسر المساخيط .. سافر .. بس أمانة لتقولى قبل ما تسافر بيقولوا ايه عن مرتى ؟!
هنا الأحلام تنكسر وتتكسر الجمل الموحية والتى تحيلك لغرائبية مدهشة ، كما تتجلى تلك الإحالات والإيحاءات فى تضمين الكاتبة فى بداية كل مقطع - أو ظل كما أرادت تسميته - بجمل موحية ودالة وكأنها حكيمة تلخص أحداث القصة وذلك فى تضمينها - مثلاً - على لسان منصور : " علمتنا يا قمر أن نرفع رؤوسنا لنتأملك .. ليتك يا قمر علمتنا الانحناء " ، أو كما تقول فى الظل السابع ( وربما يعود ) : " الوجه قمر أواخر العشرين ، القلب تعدى الكهولة والأحزان تجعلنى قمراً فى الستين " ، وذلك على لسان منصور ، ومنصور هذا أحد أبطال المتتالية القصصية ، وإن كنت أجنح بأنها رواية قصيرة لما تصمنته من استمرارية الحدث وتنامى الحكى مع الشخوص ، وإن كانت تضيف فى كل مرة شخصاً جديداً ، بل وقد تجنح بالخيال فتصور لنا أسطورة " عروس النيل " والتى تقذف فى النهر كل عام ، إلا أنها عروس مختلفة ، بل وقد تتعدد الرمزية هنا لتصنع عالماً أسطورياً ولكنه عالم يجنح فى واقعيةٍ قِوَامُهَا : الفقر - الحاجة - الحزن - الخيانة - الظلم - الطبقية أحياناً ، ومع كل ذلك نجد أن شخصياتها
قراءة في مجموعة «وللجبل أغان أخرى» لهيام عبد الهادي صالح
بقلم: أ. د. حسين علي محمد 1
( 1 )
هذه هي المجموعة القصصية الأولى للدكتورة هيام عبد الهادي صالح، وهي تكشف عن قاصة مقتدرة، فقصصها يتوافر فيها الكثير من الفن، الذي انطلق من أسوان ليُعانق الإنسان في كل مكان، ويُثبت أن صاحبته ستكون واحدة من الأسماء الفاعلة في فضاء القصة القصيرة المصرية، لأنها بكل بساطة تمتلك الرؤية والأداة.
وتضم هذه المجموعة عدداً من القصص القصيرة جدا سنتوقف عندها هنا.
وبعيداً عن التنظير للقصة القصيرة جدا، حيث يرفضها البعض، بينما بعض النقاد يميل إلى «هذا النوع الأدبي القادر على حمل الهموم المختلفة اجتماعيةً ووطنية وقومية وإنسانية».
وتعتمد في قصصها على الجمل القصيرة المكثفة، التي تكشف عن مفارقة ساخرة. تقول في قصة «المساخيط»:
«قال زوجي إن الجبل يغضب حين نحفر لنكشف ستره، ونُخرج المساخيط الأثرية من جوفه. ولذلك فإنه وجد مسخوطة خوجاية ـ كركوبة في عمر أمه ولا العوزة للجبل ـ ستتزوجه وتُسافر به، ويعود حين تسأمه ولديه ما يكفي لتجهيز أكبر بازار في البلدة».
وتتمتع هذه القصص القصيرة بالشعرية المجنحة، التي تضفي على عالم القص ـ من خلال التلاعب بالنظام اللغوي بين المعيارية والإيحائية ـ صورةً تحمل رؤية للإحباطات التي نواجهها في عالمنا، وتحمل العديد من الدلالات المباشرة المفتوحة على دلالات ـ نجدها بالتأمل ـ أكثر اتساعاً، وتكشف عن هموم الإنسان الذي يطمح إلى عالم أكثر متعةً وإنسانية بينما تتهدده الأخطار في كل لمحة، وعند كل ثنية من طريقه:
تقول في قصة قصيرة جدا بعنوان «ورود»:
«على مكتبي مشمّع أنيق تسكنه الورود .. بعض الوريقات داكنة، والأخرى فاتحة اللون. أسدد إليها نظراتي فتتفتّح الوردات عن طفلات يرقصن في فساتين واسعة قصيرة، وشعورهن تنعقد بفيونكات في ذيول أحصنة، وأطفال يرقصون بوجوه مبتسمة وخصلات ناعمة تبدو من تحت الطواقي الجميلة. يتوقف رقص الورود الطفلات والطفلات فجأة حين يلمحون وردة ضخمة تنشق عن سلطان الحواديت بوجهه الجهم وكرشه الضخم خلفه حاشيته. يأتي يبتلع كل الحلوى .. كل الضحكات .. كل نغم الموسيقى. تنغلق بعض الوردات وتتوارى بعيداً .. بينما يقف بعضهم في صف واحد ووجههم للجدار».
فهذا النص القصير يحتوي على مفارقة بين عالمين: عالم الطفل، المتمثل في: الورود ـ الطفلات ـ الأطفال ـ الرقص ـ الطواقي الجميلة … إلخ، وعالم القهر الذي يُعاني منه الكبار (ويُعاني منه الأطفال أيضاً) ويتمثل في سلطان الحواديت الذي يقتحم عالم النص بوجهه الجهم وكرشه الضخم وخلفه حاشيته، والذي يبتلع كل الحلوى .. وكل الضحكات .. كل نغم الموسيقى.
ثم تستدعي الكاتبة في النهاية صورة العقاب الذي يُعاني منها الأطفال في مراحل الدراسة المبكرة ـ وهي أن











